المَصونُ في سرّ الهوى المكنون

إبراهيم أبو إسحاق الحصري
 -  413 / 1022

إبراهيم الحُصْريّ القَيروانيّ ، مِن أقرباء عَلِي الحُصْريّ الشاعر المشهور (ت 488 هـ/ 1095 م). يُنسبَان إلى حُصْر وهي قَرية دارِسةٌ قرب القيروان . كان أديبا عالِما بأخبارِ الشّعر والشّعراء وكان مُدرِّسا للأدبِ بين القيرَوان و صبرة المنصوريّة .


من مؤلّفاته

زهر الآداب جمع الجواهر في المُلح والنّوادر المَصونُ في سرّ الهوى المكنون نور الطرف ونَور الظرف


المزيد من المعطيات على الموسوعة التونسيّة
تقديم النّص

هو من سلسلَة كُتُب العشق، يقعُ تاريخيًّا بعد « كتاب الزّهرة » لابن داوُودَ (ت 297 هـ/ 909 م)، ويُحيل عليه، وقبل كتاب طوقُ الحَمامَة في الأُلفةِ والأُلّاف لابنِ حزم (ت 456 هـ 1054 م). وللكتابِ بنيةٌ فَريدةٌ تُميّزُه عن سائِر كتب العشق، فهو مُحاورَة بين صَديقَين أَديبين، هُما « أَلِيفَان نَشَآ فِي عِراص الصَّفاء، ورتَعَا فِي رِياضِ الوَفاء... » أحدُهما يَسأَلُ والآخرُ يُجيبُ، بِإيرادِ الأخبار والأقوال والأشعار عن الحبّ، وعندما يريدُ التّعبِيرَ عن أفكارٍ جديدةٍ، يُنشدُ أبياتا من « لِسانِ خاطرِه ». وفي الخِتامِ يَعتذرُ المُجيبُ عن طابَع البَداهةِ التي اتّسَمَت بِها المُحاورَة، ويُقرّر تَحوِيلَها إلَى كِتاب.

وتَتناولُ المُحاورةُ « مَسائلَ في الهوى وحالاتِهِ ومَراتبِه ودَرجاتِه »، وتُؤكِّدُ نظريَّة « الأُلفَة » أو « المُشاكلَة » التي سادَت في العصور القديمة والوسيطة، ومُفادُها أنَّ الحُبّ لِقاء بَين أرواحٍ مُتشاكِلَة مُتنَاسِبة لأنّها تَعارَفَت وتآلفَت في عَالَمٍ سابقٍ. يقول الحصري : « وقد ورد فِي الحديثِ : القُلوبُ أجنادٌ مُجنَّدةٌ، فمَا تَعارفَ مِنهَا ائتَلفَ، وما تَناكَرَ منهَا اختَلفَ ».

لكنَّ هذه المُحاورَةَ تَتميّزُ بِتعميقِ معانِي الصّمتِ ومَدحهِ، لأنّ « لسان الحال أفصحُ من لِسان المَقالِ » ولأنّ الخبرَ يحتَملُ الصّدقَ والكذبَ، والأفضلُ أن يُجسِّدَ العاشقُ الحالَ التي تُسمَّى «نِصبَة »، ولذلك رَدّدَ المُجيبُ هذا البيتَ :

وَمَنْ بَلَغَتْ مِنْهُ المَحَبَّةُ حَدَّهَا رَأَى نُطْقَهُ ضَرْبًا مِنَ الهَذَيَانِ

بل يذهبُ الكتابُ إلى ما هو أبعدُ مِن أدبيَّات العشقِ، لأنّهُ يُؤسِّسُ لِنوعٍ مِن رياضة الصَّمتِ، ويَستعملُ مُعجمًا صُوفِيًّا لا يُستعملُ عادةً فِي كُتُب العِشقِ. فالمُتحابّان المُتناسِبان المُتآلِفان يتخلّصان مِن الكلامِ، ومِن الوَسائطِ، وتمتزِجُ نفساهما في لَحظةٍ نُورانِيّةٍ شَبيهَة بِالتّجَلِّي الصُّوفِيّ : « فإذا ارتفَعَت حُجُبُ الكِتمان، وتَوقّدت بَينهُما شُهب البَيان، وأضَاءَت جَواهرُ الصّفاء والصِّدق، وانكشَفَت سَرائِرُ الوَفاء والحَقّ، ولاحَت مِن الألِيفَين، فِي مَقام العارِفِين مِن شَواهِدِ المُنصِفِين، إشَاراتُ أنفاسٍ إلى سِرّ أنفُسٍ، وبثُّ شِكايات بغيرِ كَلامٍ، فَحِينئِذٍ تلتَئِِمُ أُلفَةُ القُلوبِ، وتظهَرُ سَرائِرُ الغُيوب بَين المُحِبّ والمَحبُوب... ».

شواهد

قد ذَكرتَ أنّ مبادِئَ الهوَى مِن الُمحبِّ، فمَا مُثيرُه مِن المحبُوب ؟ قالَ : فَهْمُ دَلالةِ الإخلاصِ، وعِلمُ إِشارَةِ الاختِصاصِ بِصِدقِ الحَالِ، دُونَ نُطقِ المَقَالِ، عَن مُقابلَة الشِّكلَين، ومُمَاثلَة المِثلَين...

(ص. 60)

وقالَ بعضُ الفلاسِفةِ : خلقَ اللّهُ الأرواحَ جُملةً واحِدَةً كَهيئةِ الكُرةِ، ثمّ قَسّمهَا أجزاءً بَين الَخلائِقِ، فَإذَا لَقِيَ الرّوحُ قَسِيمَهُ أو شَقِيقَهُ أَحَبَّهُ، لِاتّفَاقِ القِسمَيْن وازدِوَاجِ الُجزءَيْن، فَيكوُن بِذلك الالتِئَامُ الذِي لا فُطُور معَهُ، وكذلِك إذا قَرُبَ مِنه، أو دَنا مِن قَسِيمِه فَبِحَسَبِ ذلكَ يكونُ وُقُوعُ الموَدّةِ، وتَصَادُقُ المحَـبّةِ، ويقعُ التّبَايُنُ والتّقاطُعُ بقدرِ تَبَايُنِهِما.

(ص. 64)

قالَ أبو عُثمان بن بحر الجاحِظ : « (...) وجميعُ أصنافِ الدّلالاتِ على المعَانِي خمسةُ أشياءَ : أوّلهُا اللّفظُ، ثمّ الإشارةُ، ثمّ العَقدُ، ثمّ الخطُّ، ثمّ الحالُ الدّالّةُ، وهي التي تُسمَّى نِصْبَةً (...) » فالدّلالةُ - أعزّك اللّه -، بالنِّصبَةِ أعلَى مرتبةً، وأصدَقُ إِعلامًا، وأرَقّ إفهامًا، وأنصحُ وَعْظًا، وأفصَحُ لفظًا.

(ص. 84-85)
مخطوطات
أكثر مخطوطات
مكتبة عارف حكمت
602 العنوان على المخطوط : [المصون في سرّ الهوى المكنون]
صور ذات صلة
مقامات الحريري - الورقة 122و من المخطوط 3929 بالمكتبة الوطنيّة الفرنسيّة
Maqāmāt al-Ḥarīrī - f. 122r MS. 3929, Biblothèque Nationale de France
Maqāmāt al-Ḥarīrī - f. 122r MS. 3929, National Library of France
معطيات بيبليوغرافيّة
  • رجاء بن سلامة، صمت البيان، المجلس الأعلى للثّقافة، القاهرة 1998.
  • محمّد بن سعد الشّويعر، الحصريّ وكتابه زهر الآداب، ليبيا-تونس، الدّار العربيّة للكتاب، 1981.
  • إبراهيم بن علي الحصري : المصون في سر الهوى المكنون، دراسة وشرح وتحقيق النبوي عبد الواحد شعلان، دار سحنون للنشر والتوزيع، الجمهورية التونسية، 1990. تحقيق
تحرير الجذاذة
رجاء بن سلامة (بتصرّف اللّجنة العلميّة)

متحف التراث المكتوب - 2022

Creative Commons logo

نرحّب بملاحظاتكم ومقترحاتكم على العنوان التّالي :